حسان الوتاري

ماذا يعني أن تكون الدولة "شبه حبيسة" جغرافياً؟.. نموذج العراق

ماذا يعني أن تكون الدولة "شبه حبيسة" جغرافياً؟.. نموذج العراق

إذا كان مصطلح "الدولة الحبيسة" يشير إلى الدول التي تفتقر كلياً إلى منفذ بحري، فإن "الدولة شبه الحبيسة" تشير إلى تلك التي تمتلك منفذاً بحرياً محدود الامتداد أو ضعيف الجدوى الجيوستراتيجية، بحيث لا يتيح لها ممارسة نفوذ بحري فعّال، ولا يخفف بدرجة كافية من اعتمادها على محيطها الإقليمي في التجارة والاتصال الخارجي.

ما هي الانعكاسات الجيوسياسية التي تعيشها الدول شبه الحبيسة؟

1.

"حالة الخنق" بسبب قصر الساحل: حيث يصبح للدولة مجال حيوي ضيق تتنفس منه تجارياً، ويخلق هذا الضيق مشكلة في استيعاب الموانئ الكبيرة أو القواعد البحرية، ويجعل المنفذ الوحيد بمثابة "عنق زجاجة" يمكن إغلاقه بسهولة في حالات النزاع.

2.

الحصار بالمياه الإقليمية للجيران: غالباً ما تكون مياه الدول شبه الحبيسة محاصرة بجزر أو سواحل تابعة لدول أخرى، ما يعني أن السفن المتجهة إليها يجب أن تمر عبر "ممرات ملاحية" تخضع لسيادة أو رقابة دول الجوار، وهذا يجعل حرية الملاحة لديها "مقيدة" وليست "مطلقة".

3.

اعتماد نسبي على الدول المجاورة: بسبب محدودية أو ضعف المنفذ البحري، تضطر الدولة شبه الحبيسة إلى استخدام أراضي دول أخرى للوصول إلى الموانئ العالمية، مما يتيح لتلك الدول فرض رسوم عبور أو ممارسة ضغوط سياسية عليها.

4.

قوة بحرية ضعيفة: يؤدي ضيق المجال البحري ومحدودية المنافذ إلى تقليص الحافز والقدرة على بناء قوة بحرية فاعلة، ما يدفع الدول شبه الحبيسة إلى توجيه مواردها نحو القدرات البرية أو أدوات ردع غير تقليدية، الأمر الذي يحصر دورها البحري غالبًا في إطار دفاعي ومحدود التأثير.

بصورة عامة، تعاني الدول "شبه الحبيسة" من فجوة بين موقعها الجغرافي وطموحاتها الاستراتيجية، إذ يفرض ضيق النفاذ البحري قيوداً مستمرة على قدرتها على التحول إلى قوة بحرية مؤثرة، حتى وإن امتلكت مقومات قوة في مجالات أخرى. وبالتالي، فإن دورها الإقليمي يتشكل غالباً ضمن حدود جغرافيا مقيّدة، وليس وفق إمكاناتها الكامنة فقط.

ماذا عن العراق؟

عند النظر إلى الخريطة، يتضح أن العراق يمتلك منفذاً بحرياً محدوداً على الخليج العربي لا يتجاوز طوله نحو 58 كيلومتراً، أي ما يعادل نسبة ضئيلة من إجمالي حدوده الدولية. هذا الامتداد الضيق لا يقيّد فقط قدرته على التوسع في البنية التحتية البحرية، بل يحدّ أيضاً من إمكاناته في التحول إلى فاعل بحري مؤثر مقارنة بالدول ذات السواحل الواسعة.

في السياق العربي، يمكن مقارنة هذه الحالة نسبياً مع الأردن، الذي يمتلك منفذاً بحرياً وحيداً على خليج العقبة بطول يقارب 26 كيلومتراً. إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في البيئة الجيوستراتيجية المحيطة؛ إذ يقع المنفذ العراقي ضمن فضاء بحري عالي التوتر والتنافس، ما يضاعف من حساسيته الاستراتيجية.

العراق وعقدته الجيوسياسية المزدوجة

تتجسد إشكالية العراق في تداخل قيدين جغرافيين رئيسيين:

1.

الاعتماد الهيدرولوجي الخارجي: يرتبط العراق بمنظومة نهرية عابرة للحدود، حيث تنبع معظم موارده المائية من دول الجوار، لا سيما تركيا وإيران. هذا الواقع يمنح دول المنبع قدرة تأثير ملموسة على الأمن المائي العراقي، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الاستقرار الزراعي والغذائي.

2.

هشاشة النفاذ البحري: يقع المنفذ البحري العراقي في أقصى شمال الخليج، ما يجعله مرتبطاً عضوياً بأمن وسلامة الممرات البحرية الأوسع، ولا سيما مضيق هرمز، الذي يشكّل عنق عبور حيوي للتجارة والطاقة العالمية. في حالات التوتر الإقليمي، لا يمتلك العراق قدرة مستقلة كافية لتأمين هذا المسار، ما يضعه ضمن منظومة أمن بحري تعتمد بدرجات متفاوتة على توازنات القوى الإقليمية والدولية.

على الرغم من محدودية منفذه البحري، يوظّف العراق ساحله الضيق بوصفه نقطة ارتكاز اقتصادية واستراتيجية حيوية، إذ تمر عبر موانئ محافظة البصرة الغالبية الساحقة من صادراته النفطية، بما يُقدَّر بنحو 95٪. هذا التركّز يعكس أهمية المنفذ البحري ليس فقط كأداة تجارية، بل كركيزة أساسية في بنية الاقتصاد الوطني.

وفي إطار السعي إلى تعظيم القيمة الجيوستراتيجية لهذا المنفذ، يعمل العراق على تطوير ميناء الفاو الكبير، الذي يُراد له أن يتحول إلى محور لوجستي إقليمي. كما يندرج ذلك ضمن رؤية أوسع لإعادة تموضع العراق في شبكات التجارة الدولية عبر مشروع طريق التنمية، الهادف إلى ربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر ممر بري–بحري متكامل.

ما هي الانعكاسات الجيوسياسية لضيق العنق البحري على العراق؟

1.

حساسية النزاعات الحدودية البحرية:
يُسهم محدود الامتداد الساحلي في رفع كثافة التفاعل الحدودي مع دول الجوار، لا سيما إيران والكويت، ما يجعل قضايا ترسيم الحدود واستخدام الممرات المائية عرضة للتوتر الدوري، خاصة في البيئات الإقليمية غير المستقرة.

2.

تأثر اقتصاد العراق بالاختناقات الجيوستراتيجية:
يرتبط تصدير النفط العراقي وهو العمود الفقري للاقتصاد، بسلامة الممرات البحرية في الخليج وعلى رأسها مضيق هرمز. وبالتالي فإن أي تصعيد عسكري أو تعطيل للملاحة في هذا المضيق ينعكس مباشرة على قدرة العراق التصديرية، دون أن يمتلك أدوات كافية لتأمين بدائل بحرية مستقلة.

3.

تقييد حرية الوصول إلى أعالي البحار:
يتطلب النفاذ البحري للعراق مرور سفنه بمحاذاة أو عبر مياه إقليمية لدول مجاورة، ما يجعل حرية الملاحة لديه مرتبطة عملياً بمستوى التنسيق والاستقرار السياسي مع هذه الدول. وبهذا المعنى، يصبح أمنه التجاري امتداداً للعلاقات الإقليمية أكثر منه تعبيراً عن استقلال جغرافي كامل.

في المحصلة، لا يمكن فهم الإشكالية الجيوسياسية للعراق بوصفها حالة معزولة، بل هي جزء من نمط أوسع تشكّل في سياقات تاريخية معقدة، كان من أبرزها إرث الحقبة الاستعمارية وما رافقها من إعادة رسم للحدود وفق اعتبارات لا تنسجم بالضرورة مع الحقائق الجغرافية أو الوظيفية للدول.

غير أن اختزال هذه الإشكالية في العامل الاستعماري وحده يظل تبسيطاً مخلّاً؛ إذ إن استمرار التوترات الحدودية وتفاوت القدرة على توظيف الجغرافيا يرتبط أيضاً بخيارات الدول نفسها، وبطبيعة تفاعلاتها الإقليمية، وبقدرتها على بناء سياسات تكيف فعّالة مع القيود المفروضة عليها.

وعليه، فإن حالة العراق تُجسّد تداخلاً بين إرث جغرافي–تاريخي مُقيِّد، وواقع سياسي–استراتيجي معاصر، ما يجعل التحدي لا يكمن في الجغرافيا ذاتها، بل في كيفية إدارتها وتحويلها من قيد بنيوي إلى مورد استراتيجي.